ابن الجوزي
356
صيد الخاطر
للكبد والدماغ والقلب ، وأخذت أجود ذلك فحدرته إلى الأنثيين معدّا لخلق آدمي . فإذا تحركت نيران الشهوة برزت تلك النطفة ، وقد حكم الشرع بطهارتها ، وحكم لها بطهارة الرحم والمحل الذي يباشره الذكر ، فيخلق منها الآدمي الموحد . فما جاء هذا الشخص الا بأغلى الغلاء وبعد عجائب أشرنا إليها ، لا أنا عددناها . أفمن فهم هذا يحسن منه أن يبدد تلك النطفة في حرام ، وأن يطأ في محل نجس فتضيع ؟ فكم يتعلق بالزنا من محن لا يفي معشار عشرها بلذة لحظة . منها هتك العرض بين الناس ، وكشف العورات المحرمة ، وخيانة الأخ المسلم في زوجته إن كانت متزوجة ، وفضيحة المزني بها وهي كأخت أو بنت ، فان علقت منه ولها زوج ألحقته بذلك الزوج ، وكان هذا الزاني سببا في ميراث من لا يستحق ومنع من يستحق ثم يتسلسل ذلك من ولد إلى ولد . وأما سخط الحق سبحانه فمعلوم قال تعالى « وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا » وقال صلّى اللّه عليه وسلم : ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند اللّه تعالى من نطفة وضعها رجل في رحم لا تحل له . ومن له فهم فهو يعلم أن المراد من النطفة ايجاد الموحدين ولولا تركيب الشهوة لم يقع الوطء ، لأنه التقاء عضوين غير مستحسنين ولا صورتهما حسنة ولا ريحهما طيب ، وانما الشهوة تغطي عين الناظر ليحصل الولد أصلا فهي عارض فمن طلب الشهوة ونسي جنايته بالزنا فما رأى الأشياء على ما هي « 1 » . وقس على هذا المطعم والمشرب وجمع المال وغير ذلك . 316 - الفائدة في خلق ما يؤذي إن قال قائل أي فائدة في خلق ما يؤذي ؟ فالجواب انه قد ثبتت حكمة الخالق فإذا خفيت وجب التسليم . ثم إن المستحسنات في الجملة أنموذج ما أعد من الثواب ، والمؤذيات أنموذج ما أعد من العقاب . وما خلق شيء يضر الا وفيه منفعة . قيل لبعض الأطباء : إن فلانا يقول أنا كالعقرب أضر ولا أنفع .
--> ( 1 ) صحيح واللّه - فليبتعد الشاب عن الزنا بالابتعاد عن دواعيه وهي النظر إلى الأجنبيات والاختلاط بهن ومعاشرة من يسهل الطريق إليهن .